كاتب أمريكي: الوقود الأحفوري أصبح شيئا ينتمي للقرن العشرين
يمضي التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري قدما بالفعل سواء بمشاركة الولايات المتحدة أو بدونها، وستلعب المركبات الكهربائية دورا محوريا في تشكيل مستقبل هذا التحول، وذلك حسبما يرى برايان بلاك الأستاذ المتميز في التاريخ والدراسات البيئية بجامعة ولاية بنسلفانيا ألتونا، والكاتب المعني بالتحول في مجال الطاقة.
وقال بلاك في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية إن "ثورة الطاقة ستستمر في التأثير على المستهلكين في عام 2026، ويجب أن نحرص على ألا نسمح للتطرف السياسي الحالي بالتأثير على أحكامنا. وفي تحولنا الذي بدأ مع ظهور حقائق الطاقة الجديدة بعد سبعينيات القرن الماضي، طرأت تعديلات جوهرية على الأنماط التي تحدد ما يشير إليه المؤرخون بــ"الحياة المعتمدة على الاستهلاك المكثف للطاقة" في القرن العشرين.
وأضاف بلاك "اليوم، نحن في لحظة /ارتداد/، حيث يتأرجح بندول التغيير الثقافي عائدا إلى الوراء، وقد يوحي بأن اهتمامنا المؤقت بالطاقة النظيفة قد تلاشى. فجأة!".
وقال بلاك "لكن في الواقع، يدرك المؤرخ بداخلي أن هذه هي طبيعة التحولات. لقد أصبح التحول واقعا نعيشه. إلا أن الثقافة الأمريكية متقلبة في تعاملها مع التغيير. نحن نكتفي بالجلوس بجانب قائدنا وهو ينطلق على الطريق بسيارة جديدة من طراز فورد "اف-150" لايتنينج، كما فعل الرئيس السابق جو بايدن عام 2022.
اقرأ أيضاً
فورد الأمريكية وجيلي الصينية للسيارات تتعاونان في مشروع مشترك جديد
وزير الصناعة :تشجيع الشركات الأمريكية لزيادة الاستثمار في مصر والاستفادة من الحوافز والمزايا التنافسية
وزير الصناعة يشهد إعلان دخول السيارات الأمريكية إلى السوق المصري بمصنع جنرال موتورز
رسوم ترامب الجديدة على الواردات الكندية تثير مخاوف قطاع السيارات الأمريكي
ارتفاع متوسط أسعار البنزين في أمريكا مجددا إلى 4 دولارات للجالون مع تصاعد الهجمات الأمريكية والإيرانية
سليت الأمريكية تطرح أول شاحنة كهربائية من إنتاجها بسعر 4ر26 ألف دولار
دراسة أمريكية: العقل البشري يعيد برمجة نفسه لأداء مهام متعددة بكفاءة
الوقود الأحفوري يهيمن على استهلاك الطاقة في النقل البري بألمانيا
”كونتيننتال” تقترب من إتمام بيع ”كونتي تك” إلى شركة أمريكية
أوبر الأمريكية تستحوذ على مركز إرسال سيارات الأجرة في فرانكفورت
توقعات بتراجع واسع في انبعاثات الوقود الأحفوري بالصين
وايمو توقف خدمة الروبوتاكسي في مدينتين أمريكيتين بعد حوادث فيضانات
وتابع أنه في لحظة "الارتداد"، تكمن المأساة الحقيقية في أننا نواجه خطر عدم قيادة هذا التحول في حياة البشر. لكن هذا لا يعني أن التحول في مجال الطاقة لن يحدث، بل "يعني فقط أنه عندما يقوم أمثالي بالتدريس عن تحولنا بعيدا عن الوقود الأحفوري بعد سنوات قليلة، لن تتاح لنا الفرصة التي نفخر بها-عندما نتحدث عن هنري فورد والثقافة الأمريكية التي انطلقت نحو عصر جديد من السيارات والطرق والضواحي في مطلع القرن العشرين– لنقول إن هذا التحول كان إنجازا أمريكيا.
وقال "لقد كنا حاضرين ومستعدين لثورة الطاقة، لكن غياب القيادة الأمريكية في هذا التحول الآن يعني على الأرجح أن تحول البشر، وخاصة إلى النقل الكهربائي، سيقوده آخرون. وهذا ما يجب أن يثير غضبنا. يجب أن يدفعنا هذا للمطالبة بأن تضطلع الولايات المتحدة بالدور القيادي التقليدي، مع تسارع وتيرة التغيير".
الريادة العالمية في ظهور السيارات الكهربائية الهجينة
يرى بلاك أن خيارات النقل تعد إحدى الوسائل الرئيسية التي يمكن للمستهلكين الأمريكيين من خلالها المشاركة في التحول من الوقود الأحفوري. وعندما عرفت السوق الأمريكية ملامح سوق السيارات الكهربائية الهجينة بعد عام 2020، شهدت المصانع الأمريكية قفزات نوعية في التكنولوجيا. وحددت كل شركة مصنعة مواعيد لتحويل أسطولها بحلول عام 2035 أو قبل ذلك، ودفعت الحوافز الحكومية السائقين إلى الاختيار بحكمة.
ولكن من الواضح أن الوضع قد تغير. ومن المرجح أن "تاريخ هذا التحول لن يمر عبر الولايات المتحدة، كما نعلم الآن. في ظل الفراغ الناجم عن التحول السياسي والأيديولوجي، أثبتت الشركات المصنعة العالمية أن هذا التحول، في الواقع، سيتم تحديده خارج الولايات المتحدة، وهذا لا يعني أنه لن يحدث، بل يعني فقط أننا على الأرجح لن نكون من يقوده".
وأوضح بلاك أن المثال على ذلك هو نمو وتطور شركة "بيلد يور دريم" (بي واي دي)، الصينية لتصنيع السيارات، والتي أصبحت مؤخرا رائدة عالميا في مجال السيارات الكهربائية. وشهدت شركة "تسلا" الأمريكية، الرائدة عالميا في صناعة السيارات الكهربائية في ذلك الوقت، انخفاضا في مبيعاتها بنسبة 9% تقريبا في عام 2025، لتصل إلى 64ر1 مليون سيارة مباعة حول العالم. وكان هذا العام هو الثاني على التوالي الذي تشهد فيه الشركة انخفاضا في مبيعاتها. وقد وضعت هذه الأرقام شركة "تسلا" خلف "بي واي دي"، التي أعلنت أن مبيعات سياراتها التي تعمل بالبطاريات ارتفعت العام الماضي بنسبة 28% تقريبا، لتتجاوز 25ر2 مليون سيارة.
وشهدت سوق السيارات الكهربائية في الصين، التي تشمل السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات والسيارات الهجينة القابلة للشحن، نموا بنسبة 5ر40% في النصف الأول من عام 2025، مع سيطرة شركات صناعة السيارات المحلية على هذا القطاع المتنامي في البلاد. ووضعت شركات مثل "جيلي" و"إم جي" و"بي واي دي" ضغطا على منافسيها الغربيين من خلال تسعير سياراتها بأسعار أقل من العلامات التجارية المعروفة.
وأشار بلاك إلى أن كل شركات السيارات الصينية حققت نموا كبيرا، لكن حصة "بي واي دي" السوقية تتجاوز ضعف حصة أقرب منافسيها الصينيين. وتوسعت الشركة، التي تتخذ من مدينة شنتشن مقرا لها، عالميا بسرعة، خاصة في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأجزاء من أوروبا. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت "بي واي دي" أن المملكة المتحدة أصبحت أكبر أسواقها خارج الصين. وقالت الشركة إن مبيعاتها في بريطانيا ارتفعت بنسبة 880% خلال العام المنتهي في سبتمبر/أيلول، مدفوعة بالطلب القوي على النسخة الهجينة القابلة للشحن من سيارتها الرياضية متعددة الاستخدامات "سيل يو".
وجاء هذا النمو الملحوظ في سوق السيارات الكهربائية بالطبع في الوقت الذي أثرت فيه الاضطرابات السياسية على شركات تصنيع السيارات الأمريكية. في هذه اللحظة، دخلت "بي واي دي" المسار السريع في مبيعات المركبات الكهربائية على مستوى العالم.
وأشار بلاك إلى أنه في مطلع عام 2026، بدا وكأن ثورة السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة قد توقفت مؤقتا. والآن تظهر بيانات الربع الأول من عام 2026 أن مبيعات السيارات الكهربائية العالمية - مثل سيارات "بي واي دي"- ارتفعت بنسبة 12% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وبنسبة 17% مقارنة بالربع السابق.
ويرى بلاك أنه سواء في السيارات الكهربائية أو في تخزين الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، تعد تقنية البطاريات حجر الزاوية في نظام الطاقة الناشئ. ويؤدي التوسع العالمي في تصنيع هذه التقنيات النظيفة إلى خفض تكلفة التقنيات منخفضة الكربون، مما يسمح للدول النامية بالقفز نحو الكهرباء النظيفة والنقل النظيف. وهذا يثير المزيد من المخاوف بشأن القدرة التنافسية للولايات المتحدة. فبينما ظهرت هذه الابتكارات أولا في السوق الأمريكية قبل قرن من الزمان، تتركز مراكزها الرئيسية اليوم في آسيا.
في حال احتجنا إلى المزيد من الأسباب للتخلي عن الوقود الأحفوري
اليوم، تعززت خيارات الطاقة المتجددة مجددا، حيث توفر للمستهلكين استقلالية تتجاوز حالة عدم اليقين التي تحيط بالحصول على الوقود الأحفوري وتجارته ومعالجته. وفي الواقع، قدمت الحرب مع إيران للعالم سببا إضافيا للتحول بعيدا عن الوقود الأحفوري.
وقبل اندلاع الصراع الحالي، كان الإقبال على السيارات الكهربائية كبيرا في الاقتصادات الناشئة، كالهند والمكسيك والبرازيل، حيث تجاوزت مبيعاتها مبيعات الاقتصادات الأكثر تطورا، كالولايات المتحدة واليابان. أما الآن، يبدو أن الارتفاع في أسعار النفط العالمية، الناجم عن صعوبة عبور مضيق هرمز، قد قدم دفعة غير متوقعة لسوق السيارات الكهربائية، مع ازدياد الاهتمام والمبيعات في جميع أنحاء العالم.
واعتبر بلاك أنه لا يوجد مسار محدد لكيفية حدوث التحولات في قطاع الطاقة، وإنما يتعلق الأمر بسوق تنافسية يمكن تفسيرها على مستويات الصناعة والحكومة والمستهلكين الأفراد. ومن السمات الفريدة لهذا التحول في قطاع الطاقة، أن خيار المستهلك يلعب دورا في اختيار السيارات الكهربائية، وكذلك في الخيارات الأخرى. وقد تكون سوق الكهرباء خارج سيطرة المستهلكين المباشرة إلى حد كبير، إذ أن التحولات في شبكة الكهرباء والبنية التحتية للطاقة تستغرق وقتا طويلا وتتطلب إجراءات من سلطات أكبر وحكومات. ومع ذلك، توفر السيارات الكهربائية خيارا لتحقيق نتائج شخصية وفورية.
وتحث الحكومة الأمريكية المستهلكين على العودة إلى أنماط الماضي. ومن خلال مضاعفة إنتاج الوقود الأحفوري، والترويج لمحركات الاحتراق الداخلي، وتجاهل قطاع السيارات الكهربائية، أصبحت الولايات المتحدة الآن معرضة بشكل متزايد لخطر التخلف الاقتصادي عن المنافسين.
واختتم بلاك تحليله بالتساؤل هل يستطيع المستهلكون الأمريكيون التخلي عن الوقود الأحفوري؟ ويقول إن "هذه الخطوة التقدمية لها تبعات كثيرة على المستهلكين الأمريكيين لدرجة أنها تشكل تحديا لمؤسساتنا. لكن التاريخ يظهر لنا أننا نتميز بالمرونة والقدرة على التكيف. ويتعين علينا انتهاز الفرصة لرفض الوضع الراهن والانطلاق بشجاعة نحو القرن الحادي والعشرين!".

































